الغزالي
36
إحياء علوم الدين
مثال الأنهار . وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس ، والاعتبار بالمشاهدات ، حتى يمتلئ علما ، ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره ، ورفع طبقات الحجب عنه ، حتى تتفجر ينابيع العلم من داخله فإن قلت : فكيف يتفجر العلم من ذات القلب ، وهو خال عنه ؟ فاعلم أن هذا من عجائب أسرار القلب ، ولا يسمح بذكره في علم المعاملة ، بل القدر الذي يمكن ذكره أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ ، بل في قلوب الملائكة المقربين ، فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض ، ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة ، فكذلك فاطر السماوات والأرض ، كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ ، ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة . والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته ، تتأدى منه صورة أخرى إلى الحس والخيال ، فإن من ينظر إلى السماء والأرض ثم يغض بصره ، يرى صورة السماء والأرض في خياله ، حتى كأنه ينظر إليها ، ولو انعدمت السماء والأرض ، وبقي هو في نفسه ، لوجد صورة السماء والأرض في نفسه ، كأنه يشاهدهما وينظر إليهما ، ثم يتأدى من خياله أثر إلى القلب ، فيحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس والخيال ، والحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال والحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا من خيال الإنسان وقلبه ، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ . فكأن للعالم أربع درجات في الوجود . وجود في اللوح المحفوظ ، وهو سابق على وجوده الجسماني ، ويتبعه وجوده الحقيقي ، ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي ، أعنى وجود صورته في الخيال ، ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي ، أعنى وجود صورته في القلب . وبعض هذه الموجودات روحانية وبعضها جسمانية ، والروحانية بعضها أشد روحانية من البعض . وهذا اللطف من الحكمة الإلهية ، إذ جعل حدقتك على صغر حجمها . بحيث تنطبع صورة العالم والسماوات والأرض على اتساع أكنافها فيها ، ثم يسرى من وجودها في الحس وجود إلى الخيال ، ثم منه وجود في القلب ، فإنك أبدا لا تدرك إلا ما هو واصل إليك ، فلو لم يجعل للعالم كله مثالا في ذاتك ، لما كان لك خبر مما يباين ذاتك .